محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الحماني ، قال : ثنا هشيم ، عن مجاهد ، عن عامر : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ قال : الأشد : الحلم ، حيث تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات . وقال آخرون : إنما يقال ذلك يبلغ أشده له إذا بلغ ثلاثين سنة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ قال : أما أشده : فثلاثون سنة ، ثم جاء بعدها : حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ . وفي الكلام محذوف ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر عما حذف . وذلك أن معنى الكلام : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، حتى يبلغ أشده ، فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشدا فادفعوا إليه ماله . لأنه جل ثناؤه لم ينه أن يقرب مال اليتيم في حال يتمه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ويحل لوليه بعد بلوغه أشده أن يقربه بالتي هي أسوأ ، ولكنه نهاهم أن يقربوا حياطة منه له وحفظا عليه ليسلموه إليه إذا بلغ أشده . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . يقول تعالى ذكره : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ، وأن أوفوا الكيل والميزان ، يقول : لا تبخسوا الناس الكيل إذا كلتوهم والوزن إذا وزنتموهم ، ولكن أوفوهم حقوقهم ؛ وإيفاؤهم ذلك : إعطاؤهم حقوقهم تامة بالقسط ، يعني : بالعدل . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بِالْقِسْطِ بالعدل . وقد بينا معنى القسط بشواهده فيما مضى وكرهنا إعادته . وأما قوله : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فإنه يقول : لا نكلف نفسا من إيفاء الكيل والوزن إلا ما يسعها ، فيحل لها ، ولا تحرج فيه . وذلك أن الله جل ثناؤه علم من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجب عليها له ، فأمر المعطى بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له ولم يكلفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها ، وأمر الذي له الحق بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه ، لما في النقصان عنه من ضيق نفسه ، فلم يكلف نفسا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق ، فلذلك قال : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم ، فقولوا الحق بينهم ، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ذا قرابة لكم ، ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره ، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه . وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا يقول : وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا ؛ وإيفاء ذلك أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم ، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك هو الوفاء بعهد الله . وأما قوله : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك : هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين ، هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا ووصاكم بها ربكم وأمركم بالعمل بها ، لا بالبحائر والسوائب والوصائل والحام وقتل الأولاد ووأد البنات واتباع خطوات الشيطان . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يقول : أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين ووصاكم بها وعهد إليكم فيها ، لتتذكروا عواقب